طريق الدبة.. كيف تحوّل إلى مصيدة للنازحين في صحراء دارفور؟
في صحراء شمال دارفور، على الطريق الصحراوي الذي يربط بلدة الطينة الحدودية مع دولة تشاد ومدينة الدبة في شمال السودان، توقف محرك عربة “لاندكروزر” تجارية قبل أكثر من 10 أيام، بعد أن قطع بها سائقها سليمان جاقد صافي دروبا طويلة بين الرمال.كان على متن العربة أكثر من 10 مسافرين، خرجوا من قراهم على أمل الوصول إلى مناطق أكثر أمانا، لكن الاتصال انقطع بهم في منطقة تُعد اليوم واحدة من أخطر ممرات السودان.
“شهداء الفزعة”
يقول رئيس هيئة ضحايا الإبادة الجماعية في دارفور مصطفى بره، إن “الشهيد” سليمان جاقد صافي خرج بعربته التجارية مع ركابها متوجها إلى منطقة الدبة، فانقطع بهم الحال في الصحراء بعد عطل في العربة، “فخرجت أسرهم وهم مواطنون عزل في فزعة للبحث عنهم”.ويضيف بره للجزيرة نت: “بعد أيام وجدوا العربة وسليمان وقد فارق الحياة، وبعد أن واروه التراب واصلوا البحث عن بقية المفقودين، فوقع المتطوعون في الفزعة في كمين لقوات الدعم السريع، وتمت تصفيتهم جميعا، أغلبهم من أسرة واحدة، ونحتسبهم شهداء”.
كمين الصحراء
وفي الأشهر الأخيرة، لم يعد الطريق الصحراوي الممتد من الطينة وكرنوي وأمبرو في غرب السودان، وصولا إلى مدينة الدبة في شماله، مجرد ممر للعابرين، بل تحوّل إلى ساحة مفتوحة لهجمات متكررة تنفذها قوات الدعم السريع ضد المسافرين، تارة بذريعة منعهم من الوصول إلى مناطق سيطرة الجيش السوداني، وتارة أخرى بلا ذريعة على الإطلاق.
وتصف شهادات سائقين وناجين نمطا متكررا من الاستهداف؛ حيث كمائن تُنصب على الطرق الصحراوية عند الفجر أو المغيب، وتفتيش للمركبات يستمر ساعات، واحتجاز للشبان بتهمة السعي للانضمام إلى الجيش، ثم إطلاق سراح من يدفع، واختفاء من لا يدفع.
وتداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو قالوا إنها توثق لحظة إعدام عناصر من قوات الدعم السريع أفرادا من “الفزعة الأهلية” في الصحراء.
ونشرت “تنسيقية لجان المقاومة” بمدينة الفاشر مقاطع مماثلة، قالت إنها تظهر منتسبي الدعم السريع عقب قتل المدنيين، وتظهر الجثث متناثرة على الرمال عقب تصفيتهم.
يقول آدم حامد آدم علي، وهو من أقارب الضحايا، للجزيرة نت، إن جميع القتلى ينتمون إلى أسرة واحدة، من بينهم المعز سليمان جاقد، نجل صاحب العربة المفقودة، وإن جثامينهم دُفنت بعد وصول فزعة من الأهالي إلى موقع الحادث.
ويروي: خرجت الفزعة للبحث عن المفقودين، وبعد أيام من انقطاع الاتصال، تتبعوا أثر السيارة في الرمل، حتى وصلوا إلى مكان الكمين، ووجدوا العربة محروقة، وجثمان سليمان جاقد صافي ملقى على الأرض، والدماء تغطي الرمال. واصلوا السير بحثا عن الركاب التسعة المفقودين، لكنهم لم يجدوا أحدا منهم على قيد الحياة.
ويضيف: وفي طريق العودة، وقعت الفزعة في كمين ثان نصبته قوات الدعم السريع، فقُتل الجميع. وهكذا، مات 18 شخصا في يوم واحد: الركاب التسعة الذين كانوا في العربة، وسليمان جاقد صافي سائقها، وثمانية من أفراد الفزعة الذين خرجوا للبحث عنهم. كلهم من أسرة واحدة، من منطقة مزبد بدار زغاوة.
وتابع “من بين القتلى ابن عمي وشقيقان من أبناء الأسرة، كلهم خرجوا لأداء واجب إنساني، ولم يحملوا سلاحا، ولم يرفعوا بندقية على أحد. عادوا إلينا محمولين على الأكتاف، لا على أقدامهم”.
لماذا يخاطرون؟
لم تكن هذه الرحلة محاولة يائسة من أسر تائهة، بل كانت حلما طالما راود آلاف النازحين في إقليم دارفور ومخيمات شرق تشاد، الذين يبحثون منذ أشهر عن ملاذ آمن في مناطق سيطرة الجيش السوداني شمال البلاد، وعن المعيشة الكريمة والعلاج.
وبعد سقوط مدينة الفاشر في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تدفقت أعداد كبيرة من النازحين من دارفور وكردفان نحو مدينة الدبة بالولاية الشمالية للإقليم، ما دفع السلطات المحلية إلى إنشاء مخيم العفاض لاستيعابهم، وقدرت منظمات أممية أعداد هؤلاء النازحين بـ200 ألف.
ويقول نازحون إن العديد منهم قطعوا مئات الكيلومترات سيرا على الأقدام من الفاشر إلى الدبة تحت الرصاص ولم يتمكنوا من حمل أي شيء من أمتعتهم.
ويضيف آخرون أن بعض الأسر اضطرت إلى أكل أوراق الشجر وعلف الحيوانات بعد انقطاع الغذاء في الفاشر، وأن رحلتهم استغرقت أياما وسط الجوع والعطش، بعد تصاعد القصف.
خط تماس مباشر
يقول الناطق الرسمي باسم المقاومة الشعبية بشمال دارفور، أبو بكر أحمد إمام للجزيرة نت، إن “مجموعة الفزعة التي خرجت للبحث عن المفقودين كانت تتألف من مدنيين عزل، لا يحملون سلاحا ولا ينتمون إلى أي تشكيل عسكري، وخرجوا بدافع إنساني بحت لإنقاذ أهاليهم”.
ويضيف: “الطريق الصحراوي بين الطينة والدبة تحوّل إلى خط تماس مباشر، حيث تنتظر المليشيا كل من يحاول العبور، وتقتل من تشاء بلا محاكمة ولا رادع”.
ويؤكد إمام أن “ما جرى ليس حادثا معزولا، بل حلقة في سلسلة استهداف ممنهج للمدنيين على هذا الطريق، بدأت منذ أشهر، وتزداد ضراوة مع كل محاولة للفرار من مناطق الاشتباك”.
قتل المدنيين
يقول يعقوب إبراهيم الداموكي المستشار الإعلامي السابق لقائد قوات الدعم السريع للجزيرة نت، إن معظم المدنيين الذين تم استهدافهم “بدم بارد” هم من سكان منطقة الطينة وكرنوي وأمبرو، وكانوا يحاولون الاستفادة من الهدوء للخروج إلى مناطق آمنة في الدبة. ويضيف أن “هذه الطرقات باتت خطرة بسبب سيطرة المليشيا..”.وشدد الداموكي على ضرورة العمل على تأمين طريق الصحراء، “وقطع الإمداد القادم من ليبيا لدعم المليشيا”.
خط الإمداد
لم يكن الكمين الذي قتل 18 مدنيا في صحراء شمال دارفور حدثا معزولا، بل كان الحلقة الأخيرة في سلسلة تبدأ من جنوب ليبيا، حيث تتمركز قواعد الإمداد، وتمر عبر الصحراء، إذ تنتشر العناصر المسلحة، وتنتهي عند المدنيين الفارين من القتال.
ويوثّق تقرير صادر في 19 أبريل 2026 عن فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن ليبيا، أن “كتيبة سبل السلام” المرتبطة بالجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، وفّرت للدعم السريع قاعدة خلفية في مدينة الكفرة جنوب ليبيا، قرب الحدود مع السودان وتشاد ومصر، حيث تسيطر على مواقع حيوية من بينها مطار، وهو ما قال التقرير إنه أسهم في تسهيل نقل المقاتلين والأسلحة إلى قوات الدعم السريع.وهذه المسارات نفسها، التي تُستخدم لإمداد القوات بالسلاح والوقود، هي التي يقطعها المدنيون الفارون بحثا عن ملاذ آمن.
ذكرى تتكرر
لم تكن حادثة قتل 18 مواطنا الأولى من نوعها على هذا الطريق:
ففي يوليو 2025، لقي 17 شخصا مصرعهم وفُقد 41 آخرون في الصحراء أثناء نزوحهم من الطينة إلى الدبة، إثر هجوم مسلح شنته مجموعات موالية للدعم السريع.
وفي 4 يوليو 2026، قُتل نحو 20 نازحا على الطريق ذاته، في كمين وصفه شهود بأنه استهدف مدنيين بشكل عشوائي.
وفي 30 يونيو 2026، وثّقت تقارير صحفية محلية كمينا استهدف قافلة تقل مسافرين بين الطينة والدبة، بعد يومين من مغادرتها الطينة، وأسفر عن مقتل وفقدان عشرات المدنيين.
ووثقت “هيئة ضحايا الإبادة الجماعية” في دارفور أسماء الضحايا الـ18، وهم جميعا من أسرة واحدة، ينحدرون من منطقة مزبد بدار زغاوة:
الناظر إيمي جمعة بكر (ناظر جرموك)، والمعز جاقد صافي موسى، وفرح همو حامد مانيس، وياسر مور وادي، ومحمد حسن بكر، وأنور عجب الدور صالح، وأيضا حمادة بخيت صالح، وإسماعيل سالم حجر قاني، وآدم صالح دوبو، ويعقوب الياس بركة (يعقوب قاري)، وعبد الله أحمد محمد نوك، وكذلك من القتلى مصطفى منصور محمد دود، ومحمد يوسف شمو، وعبد الله محمد أحمد نوك، ومحمد إسحاق عثمان دفع الله، إلى جانب آدم محمد إسماعيل، وآدم خميس هارون، وعبد اللطيف عبد الله سنين.
نداء عاجل
ويوجه رئيس هيئة ضحايا الإبادة الجماعية في دارفور مصطفى بره نداء عاجلا للمجتمع الدولي، مطالبا بفتح ممرات آمنة للنازحين، وتأمين الطرق الصحراوية، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم أمام المحكمة الجنائية الدولية.ويقول إن الطريق الصحراوي تحوّل إلى “مقبرة متنقلة”، و”لا يمكن أن يبقى المدنيون رهائن بين المليشيا والموت”.وسعت الجزيرة نت للحصول على تعليق من مليشيا الدعم السريع حول اتهامها بنصب الكمين وقتل 18 مدنيا في صحراء شمال دارفور، وذلك عبر التواصل مع الناطق الرسمي باسمها، لكنها لم تتلق ردا.