آخر الأخبار

الأبيض بين الشائعة والحقيقة… الحرب النفسية آخر أسلحة المليشيا في معركة كردفان

د. ميمونة سعيد آدم

*شهدت الأيام الماضية تداولاً واسعاً للشائعات والأخبار المتعلقة بما قيل إنه هجوم وشيك أو تحركات عسكرية تستهدف مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان. وقد وجدت هذه الأخبار رواجاً كبيراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية المختلفة، بين من صدقها وروّج لها ومن سعى إلى نفيها وتكذيبها. إلا أن النتيجة العملية لهذا التداول الكثيف كانت تحقيق هدف الحرب النفسية المتمثل في نشر القلق والخوف بين المواطنين، بغض النظر عن صحة المعلومات المتداولة من عدمها.

*ومن منظور استراتيجي وعسكري، فإن أحد أهم مبادئ العمليات العسكرية هو السرية والمفاجأة.. فالجيوش والقوات المقاتلة لا تعلن عادةً عن أهدافها أو اتجاهات تحركها قبل تنفيذ العمليات، لأن الإعلان المسبق يفقدها عنصر المبادأة ويمنح الخصم فرصة الاستعداد والتصدي.. ولذلك فإن الضجيج الإعلامي المصاحب لما أثير حول الأبيض يطرح تساؤلات منطقية حول طبيعة هذه الحملة وأهدافها الحقيقية، خاصة إذا تجاوزت الأخبار حجم الوقائع الميدانية نفسها.

*ويأتي ذلك في وقت تعاني فيه مليشيا الدعم السريع من تحديات عسكرية وتنظيمية متزايدة، بعد سلسلة من الانتكاسات التي تعرضت لها في عدد من مسارح العمليات. فقد فقدت مواقع استراتيجية مهمة في وسط السودان والعاصمة الخرطوم، وانحسر نطاق انتشارها بصورة كبيرة في أجزاء من إقليمي كردفان ودارفور.. كما تشير الوقائع الميدانية إلى وجود خلافات داخلية وصراعات بين بعض مكوناتها، وهي أمور أصبحت متداولة ومعروفة لدى الرأي العام.

*وفي مثل هذه الظروف تلجأ الجماعات المسلحة عادة إلى تعويض خسائرها العسكرية عبر تكثيف النشاط الإعلامي والنفسي. فحين تتراجع القدرة على تحقيق الإنجازات في الميدان، يصبح التأثير على معنويات السكان وبث الرعب والشكوك أداة بديلة لمحاولة إظهار القوة وإرباك الخصوم.. ولهذا فإن تضخيم الأخبار والشائعات حول المدن الآمنة أو التهديدات المحتملة يدخل ضمن إطار العمليات النفسية أكثر من كونه تعبيراً عن واقع عسكري مؤكد.

*كما أن تصوير مدينة الأبيض وكأنها تواجه خطراً وشيكاً بصورة مستمرة يخدم أهدافاً نفسية محددة، أبرزها إضعاف الثقة العامة، وإشغال المواطنين بحالة من الترقب والقلق، وإثارة البلبلة داخل المجتمع المحلي. وتعد هذه الأساليب من الأدوات المعروفة في حروب الجيل الخامس التي لا تستهدف القوات المسلحة وحدها، بل تستهدف المجتمع والدولة ومؤسساتها ومنظومتها النفسية والمعنوية.

*وفي المقابل، فإن القوات المسلحة والقوات المساندة لها تدرك طبيعة هذه التهديدات وأساليب إدارتها.. فالمؤسسات العسكرية المحترفة تبني خططها على المتابعة المستمرة للموقف الميداني والاستخباري، ولا تنتظر حتى تتحول التهديدات إلى واقع. ومن الخطأ الاعتقاد بأن الأجهزة العسكرية تعمل بمعزل عن التطورات أو أنها غافلة عما يدور في مسارح العمليات المختلفة، بل إن اليقظة والاستعداد الدائم يمثلان جزءاً أساسياً من عقيدتها القتالية.

*ومن هنا تبرز المسؤولية الوطنية للإعلام بمختلف وسائله، سواء الإعلام التقليدي أو المنصات الرقمية أو حتى المستخدمين العاديين لوسائل التواصل الاجتماعي.. فإعادة نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثقة قد يؤدي، من حيث لا يشعر البعض، إلى خدمة أهداف الخصم وتحقيق غاياته النفسية.. لذلك فإن التحقق من المعلومات والاعتماد على المصادر الرسمية والتعامل المهني مع الأخبار العسكرية أصبح ضرورة وطنية وأمنية في هذه المرحلة.

*إن معركة الوعي لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية.. فالمجتمعات التي تتمتع بدرجة عالية من الوعي والانضباط المعلوماتي تكون أكثر قدرة على مواجهة الحملات النفسية والشائعات المنظمة. أما الانسياق خلف الأخبار غير المؤكدة فيمنح مروجيها انتصاراً مجانياً دون أن يطلقوا رصاصة واحدة.

*وفي النهاية، فإن ما تتعرض له كردفان اليوم يؤكد أن الحرب الحديثة لم تعد تدار بالسلاح وحده، بل بالكلمة والصورة والإشاعة والمعلومة المضللة. ولذلك فإن حماية الجبهة الداخلية تبدأ من الوعي، وتحصين المجتمع ضد الشائعات، ودعم المؤسسات الوطنية في أداء واجبها، حتى لا تتحول منصات التواصل إلى أدوات مجانية في خدمة الحرب النفسية التي تستهدف أمن المواطن واستقرار الوطن.