آخر الأخبار

كيف أنقذت تحويلات المغتربين السودانيين شعباً بأكمله؟

شيء للوطن

م.صلاح غريبة

 

 

*في السادس عشر من يونيو من كل عام، يحتفل العالم باليوم الدولي للتحويلات المالية العائلية، وهو مناسبة أقرّتها الأمم المتحدة للاعتراف بالدور الحاسِم الذي يلعبه المهاجرون والمغتربون في تعزيز رفاهية أسرهم وتنمية مجتمعاتهم الأصلية.. لكن هذا العام، يحمل هذا اليوم بعداً استثنائياً، ملحمياً، ومضمخاً بالتضحية عندما ننظر إليه من خلال عدسة الواقع السوداني الراهن.

*منذ اندلاع الحرب الكارثية في السودان، لم تعد التحويلات المالية مجرد دعم اقتصادي أو تحسين لمستوى المعيشة؛ بل تحولت حرفياً إلى شريان الحياة الوحيد الذي يفصل بين الموت والحياة، وبين الجوع والبقاء، لملايين الأسر التي تقطعت بها السبل داخل وخارج البلاد.

*بينما تتصدر أخبار المعارك والدمار واجهات الصحف وشاشات التلفزة، هنالك جبهة أخرى صامتة، جبهة يقودها المغترب والمهاجر والمغترب القسري السوداني في كافة أصقاع الأرض.. من الخليج إلى أوروبا، ومن أمريكا إلى أستراليا، تحول كل فرد من أبناء وبنات السودان في الخارج إلى وزارة مالية مصغرة ومنظمة إنسانية قائمة بذاتها.

*لقد واجه المغترب السوداني ضغوطاً اقتصادية ونفسية غير مسبوقة؛ فبينما يعيش في بلاد المهجر محاطاً بالتزاماته الخاصة، انفتحت أمامه فجأة أبواب احتياجات لا تنتهي لأسرته الممتدة، وأقارب جيرانه، وأصدقاء طفولته. ومع ذلك، لم يتردد السودانيون.. اقتطعوا من قوت يومهم، ومن مدخرات مستقبلهم، ومن عرق جبينهم، ليرسلوا الأموال عبر شتى الوسائل المتاحة- رغم تعطل النظام المصرفي الرسمي في كثير من الأحيان- ليضمنوا أن يحصل أهلهم على وجبة طعام، أو جرعة دواء، أو مأوى آمن.

*إلى كل مغترب ومغتربة، إلى كل من سهر الليالي يبحث عن طريق لإيصال مبالغ مالية إلى مناطق الحصار، إلى الذين آثروا أهلوهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة: شكراً لكم.

*إن التاريخ سيذكر صنيعكم هذا بمداد من نور. أنتم لم ترسلوا مجرد أرقام وعملات، بل أرسلتم “الأمل”. أرسلتم رسالة مفادها: لستم وحدكم، نحن معكم حتى تنقشع هذه الغُمّة.. لقد أثبتم أن قيم التكافل والفزع والنفيرالسودانية الأصيلة ليست مجرد شعارات، بل هي جينات حية تتدفق في عروقكم أينما حللتم.

*التحويلات في مواجهة النزوح واللجوء: تجلت عظمة هذه التحويلات في قدرتها على المرونة والوصول إلى أشد الفئات تضرراً..دعم النازحين بالداخل: في مراكز الإيواء بمدن السودان المختلفة التي استقبلت الفارين من جحيم الحرب، كانت التحويلات الخارجية هي الممول الأساسي لمطابخ التكايا الجماعية، وشراء الأدوية المنقذة للحياة، وتوفير مياه الشرب.

*إسناد اللاجئين في دول الجوار: مئات الآلاف الذين عبروا الحدود نحو تشاد، وجنوب السودان، وإثيوبيا، وجدوا في تحويلات ذويهم من الخارج طوق النجاة الأول لمواجهة قسوة اللجوء والبدء من الصفر في بيئات شديدة الصعوبة.

*مصر.. ملاذ الأهل وسند المغتربين: يبرز هنا دور السودانيين المتواجدين في جمهورية مصر العربية بخصوصية شديدة. فقد استقبلت مصر الشقيقة الأعداد الأكبر من العائلات السودانية الفارة من الحرب. وهنا، تضاعف العبء والمسؤولية على التحويلات المالية العائلية.

*لقد شكلت الأموال المحولة من الخارج إلى السودانيين في مصر العمود الفقري لاستقرار هذه الأسر؛ فبها تمكنوا من استئجار السكن، وتدبير مصاريف المعيشة اليومية، وتغطية الرعاية الطبية، وإلحاق الأطفال بالمدارس والجامعات. إن هذه التدفقات المالية لم تدعم الأسر السودانية فحسب، بل ضُخت أيضاً في شرايين الاقتصاد المحلي المصري كحركة شرائية مستمرة، مما يعكس الأثر التنموي المتبادل للتحويلات.

*تحية إجلال خاصة لكل مغترب سوداني كفل أسرته (وأسرًا أخرى) في مصر، وتحية لكل أسرة سودانية في مصر تدير هذه الموارد بحكمة وصبر لتجاوز محنة اللجوء القاسي، محتفظة بكرامتها وعزتها.

*ما وراء المال: صمود الهوية والقيم: إن اليوم الدولي للتحويلات المالية العائلية يذكرنا هذا العام بأن ما يقوم به السودانيون هو درس عالمي في التضامن الإنساني. إن هذه الأموال هي التي منعت المجاعة الشاملة في غياب الدعم الدولي الكافي، وهي التي أبقت على تماسك النسيج الاجتماعي السوداني رغم محاولات تمزيقه.

*حين تنتهي هذه الحرب-وستنتهي بإذن الله- ويجلس المؤرخون لتوثيق كيف نجا الشعب السوداني من هذه الكارثة، سيفردون فصولاً مطولة للاحتفاء بـ (المغترب السوداني).. ذلك الجندي المجهول الذي خاض معركة البقاء بسلاحه الوحيد: العطاء بلا حدود.

شكراً لجميع المساهمين، وشكراً لمن استقبل ووظف هذه الأموال ليحمي نفساً بشرية. أنتم فخر السودان، وصمام أمانه، ووعده بغدٍ أفضل وأجمل.