الضوابط الجديدة.. هل تعيد المدارس الخاصة إلى صوابها؟ (3-3)
- مطبخ يتحول إلى فصل دراسي بإحدى المدارس الخاصة بالخرطوم
- مدرسة خاصة تقيم طابور الصباح بفصل واحد بالتناوب لضيق المساحة
- إيقاف تصديق المدرسة عقوبة الإختلاط بين الجنسين في مدرسة واحدة
- عقوبات إدارية صارمة للمدرسة التي تفرض رسوما غير مجازة من الوزارة
تحقيق ــ التاج عثمان:
أصدرت وزارة التربية والتعليم ولاية الخرطوم مؤخرا حزمة من الموجهات والضوابط الخاصة بالتعليم الخاص بما فيها رياض الأطفال بالولاية للعام الدراسي (2025 ــ 2026) تشمل ضوابط إدارية واكاديمية وضوبط خاصة بالرسوم الدراسية وغيرها.. فهل تعيد هذه الضوابط الجديدة المدارس الخاصة إلى صوابها وتحسم الجدل المحتدم حول الرسوم الدراسية بين أولياء الأمور وإدارات المدارس ورياض الأطفال الخاصة والذي يثار سنويا مع بداية كل عام دراسي؟.. التحقيق التالي يجيب على هذا السؤال ويتناول في نفس الوقت تفاصيل ضوابط وتوجيهات وشروط وزارة التعليم التي أقرتها مؤخرا المتعلقة بالتعليم الخاص بالولاية.
عقوبات المدارس المخالفة:
ما طبيعة العقوبات التي تفرضها وزارة التربية والتعليم ولاية الخرطوم على المدارس المخالفة للضوابط واللوائح المتعلقة بالمدارس الخاصة؟.. إستنادا لمنشورات إدارة التعليم الخاص بالوزارة، يمكن تلخيصها في العقوبات التالية:
ــ عقوبة فرض رسوم غير مجازة، وهي عقوبات إدارية تتمثل في إنذار كتابي، وإلزام إدارة المدرسة المعنية برد المبلغ الزائد من الرسوم لأولياء الأمور.. ومن العقوبات الإدارية أيضا رفض طلب زيادة الرسوم للمدرسة العام القادم.
ــ اما عقوبة الإختلاط بين الجنسين في مدرسة واحدة فعقوبته الإدارية الإنذار، وإيقاف التصديق مؤقتا لحين تصحيح الخلل.
ــ والشروع في تدريس الطلاب بدون إعتماد الوزارة للمدير والمعلمين عقوبته إيقاف قبول الطلاب الجدد.
ــ بينما إستخدام إسم المدرسة الغير مطابق للتصديق مثل كتابة (أكاديمية)، او (نموذجية) على لافتة المدرسة، والذي يعتبر تضليلا لأولياء الأمور والطلاب عقوبته إلزام إدارة المدرسة بتغيير اللافتة خلال 15 يوما، بجانب فرض غرامة مالية على المدرسة المخالفة.
ــ ترحيل الطلاب بمركبات غير مرخصة او غير صالحة ميكانيكيا عقوبته تغريم الترحيل والمساءلة القانونية.
ــ حرمان طالب من الدراسة والإمتحان بسبب عدم سداد الرسوم، عقوبته إلزام المدرسة عودة الطالب فورا للمدرسة واداءه الإمتحان.
التعافي المالي:
في حالة القصور المالي او الأكاديمي يتم تحويل الحالة للوزارة بما يعرف بـ(مسار تعافي)، وفي حالة عدم إلتزام المدرسة يتم تجميد التصديق مؤقتا، وإذا تكررت المخالفات يتم سحب التصديق نهائيا.. اما المخالفات المتعلقة بسلامة الطلاب والمتمثلة في الترحيل الغير قانوني، او الإحتيال في الرسوم، يتم تحويل الحالة لشرطة حماية الأسرة والطفل.. وحسب علمي هناك 3 مدارس بولاية الخرطوم دخلت التعافي المالي، و13 مدرسة في مرحلة التعافي الأكاديمي للعام 2026، بجانب مئات الشكاوى قيد التحقيق، وهذا مؤشر واضح لكثرة مخالفات بعض المدارس الخاصة.
ولضبط المخالفات هناك إجراءات رقابية جديدة، حيث شكلت الوزارة مؤخرا لجان ميدانية تتحرك كفريق فور ورود شكوى في الواتساب او من أولياء الأمور ضد إحدى المدارس، وتشرع فورا التوجه للمدرسة المشكو ضدها وأيضا مقابلة صاحب الشكوى.. بجانب تكوين نظام للجودة، وهوتقييم سنوي للمدارس.. ومن أنواع الرقابة إصدار إدارة التعليم الخاص بوزارة التربية والتعليم ولاية الخرطوم، إصدار جدول موحد لكل المدارس ورياض الأطفال الخاصة، وأي مدرسة او روضة أطفال تخالف الجدول يتم معاقبتها.
ومن المعلومات المهمة التي تحصلت عليها أثناء تجميعي لحيثيات هذا التحقيق، ان عدد المدارس ورياض الأطفال الخاصة المعلنة رسميا بولاية الخرطوم التي تقدمت للوزارة لزيادة رسومها، 355 مدرسة وروضة، تم رفض طلب 22 مدرسة بسبب عدم إستيفاء الشروط، و19 مدرسة دخلت مسار التعافي، منها 3 مدارس تعافي مالي، و13 مدرسة تعافي أكاديمي، و3 مدارس تعافي مالي وأكاديمي معا.. وإذا لم تصحح المدرسة أوضاعها خلال فترة التعافي يتم سحب او تجميد تصديق المدرسة.
حكاية أُم:
عقب الحلقة الأولى من تحقيق المدارس الخاصة المنشور، والتي نشرت بالصحيفة الأحد الموافق الثاني من أغسطس الجاري، إتصلت بي امرأة من الخرطوم مشيدة بالتحقيق حول المدارس الخاصة والتي أصبحت هاجسا كبيرا، حسب تعبيرها، وأخذت تسرد بالتفصيل تجربتها مع إحدى المدارس الخاصة بالخرطوم، قائلة:
التحقيق الصحفي أصاب كبد الحقيقة، لأن ما يحدث في مسألة رسوم المدارس الباهظة والتي وصفها التحقيق الصحفي بـ(المجنونة)، فأجأنا كأولياء أمور، فبعد عودتي مع زوجي وأطفالي من النزوح خارج العاصمة، وجدت كل أثاثات منزلنا قد سرقت، ولم نستطع شراء آسرة جديدة لان كل ما لدينا من أموال دفعناه للرسوم الخاصة لأثنين من أبنائي.. عدنا للخرطوم في أكتوبر 2025 بعد رحلة نزوح قمة في المعاناة من العطش الذي تعرضت له مع زوجي وأطفالي، بجانب إستغلال أصحاب المنازل للنازحين بفرض إيجارات باهظة لمنازلهم على النازحين.. وكسر رقبة الحقت طفلي الأثنين بمدرسة خاصة معروفة ومشهورة بالخرطوم، وقتها كانت الرسوم السنة الماضية 750 ألف جنيه للطالب الواحد، وفوجئت مع زوجي هذا العام أن الرسوم بلغت مليون و200 ألف، تم تخفيضها لنا بعد توسلات ورجاءات وأن لدي طفلين بالمدرسة، إلى 900 ألف بالأقساط.. وعندما يحين موعد سداد القسط تلاحقك إدارة المدرسة عبر الهاتف لسداد القسط.. وحتى قبل عودتنا ظلت هواتف إدارة المدرسة ترن وتلاحق زوجي بمدينة النزوح بضرورة الإسراع في إعادة تسجيل أبنائي بالمدرسة للعام الجديد، مع تقديم بعض الإغراءات كتخفيض الرسوم.
فصل داخل مطبخ:
تواصل الأم تجربتها مع مدرسة طفليها الخاصة بقولها: (رغم الرسوم الكبيرة التي تأخذها المدرسة من أولياء الأمور، إلا أنني لاحظت ان الفصل الذي يدرس فيه طفلي الأصغر عبارة عن مطبخ تم تعديله بإزالة المسطبة التي يوضع عليها البوتجاز لتوسعته قليلا وتحويله لفصل يحشر داخله التلاميذ الصغار حشرا بدون تكييف اللهم سوى مروحة.. اما الإجلاس فحدث ولا حرج، فهو (تعبان) مقارنة بالرسوم المليارية التي يفرضونها على أولياء الأمور، والإجلاس بالمدارس الحكومية أفضل منه بمائة مرة.. والبيئة عموما غير مواتية.. فلو تصدقوا أن طابور الصباح بالمدرسة الخاصة التي يدرس فيه طفلي الأثنين، يتم بتلاميذ فصل واحد فقط، كل يوم يكون هناك طابور لفصل واحد فقط من فصول المدرسة لضيق المساحة الفارغة بالمدرسة والتي لا تسمح بإستيعاب كل طلاب المدرسة معا في طابور صباحي واحد، رغم الهدف التربوي والوطني المعروف من طابور الصباح.
سرقة الفطور:
ذات يوم حضر إبني من المدرسة وقال لي: يا أمي انا جعان.. فقلت له جهزت لك إفطارك رغيفتين مقسمة لأربعة أنصاص، على ان تتناول نصفين في فسحة الفطور، ونصفين في فسحة صلاة الظهر، فقال لي: أجل تناولت النصفين في فسحة الفطور، وعندما عدت لتناول النصفين الآخرين في الفسحة الثانية لم أجدهما.. تصوروا هذا يحدث في مدرسة خاصة يدفع أولياء الأمور فيها المليارات ودم قلبهم لتعليم أبنائهم.. لكل ذلك قررت العام الدراسي المقبل تحويلهما لمدرسة حكومية قريبة من منزلنا، تديرها معلمة واعية متمرسة تتقن عملها في إدارة المدرسة، ولا فرق بينها وبين المدرسة الخاصة ذات الرسوم المليارية، خاصة في متابعة الطالب مع ولي الأمر.
فذات مرة طلب مني معلم اللغة العربية حضوري للمدرسة لأمر يخص أحد أبنائي، ولما ذهبت وبخني لأن إبني ترك كراسة العربي بالمنزل، وقدم لي نصائح ذهبية لن أنساها مرة أخرى، وهي ان أفتح حقيبة إبني قبل توجهه للمدرسة للتأكد من وجود كل الكراسات وقلمين على الأقل داخلها بجانب الأدوات المدرسية الأخرى المعروفة.. ما قام به معلم مادة العربي لم يقم به أي معلم بالمدرسة الخاصة، فهم لا يتابعون ولا يشكلون حلقة وصل بين المدرسة وأولياء الأمور فقط (يلخمونهم) بأوراق العمل حيث يرسلون رسالة نصية يقولون فيها أعطينا إبنك اليوم درس كذا وكذا.. او ان إبنك ضعيف في مادة كذا، بينما المدرسة الحكومية التي كان يدرس فيها إبني قبل الحرب قد يستدعوك للمدرسة لحل مشكلة إبنك الضعيف في مادة معينة ويتشاورون معك عن أنجع الطرق لإستعادة مستواه بمجهود مشترك بين المدرسة وولي الأمر.. وهكذا إجتاز إبني مشكلة ضعف مستواه في مادة اللغة العربية، وعندما نزحنا لبورتسودان الحقته بإحدى المدارس هناك وكان مستواه من أفضل تلاميذ المدرسة لأن مدرسة الخرطوم التي كان يدرس بها قبل إندلاع حرب الخرطوم نجحت في تأسيس مستواه الأكاديمي بصورة مشرفة.. لكل ذلك العام الدراسي القادم سوف أنقل ولدي الاثنين للمدرسة الحكومية ليس لانها مجانية بل أنها تجسد مقولة، التربية والتعليم معا.. ونصيحتي لبقية الأمهات لا تلحقوا أطفالكم بالمدارس الخاصة بهدف التباهي أن إبنك يدرس في مدرسة (…..) المشهورة ويقرأ بمبلغ ملياري، فالمدارس الحكومية أفضل تعليميا وتربويا، لمستقبل أبنائكم وبناء شخصياتهم، من المدارس الخاصة.. اللهم أني قد بلغت فأشهد.