آخر الأخبار

من الأحكام الجاهزة إلى القياس العلمي.. قراءة في سلوك القراءة وصناعة الوعي

 

أحمد السماري – السعودية:

من أكثر الأحكام الجاهزة التي التصقت بالمجتمعات العربية ذلك القول الشائع: (العرب أمة لا تقرأ). وهي مقولة اكتسبت مع الزمن سلطةً رمزية، لا لأنها استندت إلى دراسات علمية دقيقة، وإنما لأنها تكررت على ألسنة شخصيات ذات حضور وتأثير، حتى استقرت في الوعي العربي وغير العربي وكأنها حقيقة نهائية.

غير أن القضايا الثقافية الكبرى لا تُفهم بالشعارات، ولا تُختزل في أحكام مسبقة؛ فالمجتمعات كائنات حيّة تتبدل معطياتها بتبدل التعليم والاقتصاد وأنماط الحياة. وإذا كانت هذه المقولة قد حملت شيئًا من الصحة في مراحل ارتفعت فيها نسب الأمية، فإن إعادة إنتاجها اليوم دون مراجعة تبدو ضربًا من الكسل المعرفي.

لقد تغيّر العالم العربي كثيرًا؛ ارتفعت مستويات التعليم، واتسعت الجامعات، وتضاعفت فرص الوصول إلى المعرفة، وتنامى حضور الكتاب في المعارض والمبادرات الثقافية. وفي المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، ومنذ انطلاق رؤية 2030, نشهد حراكًا ثقافيًا متسارعًا تجاوز المؤسسات الرسمية إلى المجتمع نفسه، عبر الجمعيات الأدبية، والمقاهي الثقافية، والصالونات الفكرية، والمبادرات القرائية.

لكن القضية الأهم، في تقديري، تكمن في غياب المعرفة العلمية الدقيقة بسلوك القراءة؛ إذ إن فهم علاقة الفرد والمجتمع بالكتاب يحتاج إلى أدوات قياس منهجية تكشف طبيعة هذا الارتباط وتحولاته. وللأسف، نحن نفتقر إلى مراكز بحثية متخصصة تقيس التحولات الثقافية بصورة دورية، وتنتج بيانات يمكن البناء عليها. وبدون هذه الأدوات، تصبح الأحكام أقرب إلى التخمين منها إلى الفهم.

ولعل بعض الدراسات الغربية تكشف أن أزمة القراءة لم تعد أزمة عربية خالصة؛ فقد أظهر استطلاع حديث أن القارئ البريطاني العادي لا يستطيع مواصلة القراءة لأكثر من أربع عشرة دقيقة قبل أن يتشتت انتباهه، بسبب هيمنة المنصات الرقمية وتدفق الإشعارات المستمر، حيث تحولت تطبيقات مثلInstagram وFacebook وWhatsApp إلى أدوات دائمة في تشتيت الانتباه، وإعادة تشكيل العقل البشري على إيقاع السرعة والاختزال.

وهنا يتغير السؤال: لم يعد الأهم أن نسأل: هل نقرأ؟ بل: كيف نقرأ؟ وكم نستطيع أن نصمد أمام النص؟

لقد دخل الإنسان المعاصر مرحلة جديدة من التلقي، تقوم على الاستهلاك السريع للمعلومة، بعيدًا عن التأمل العميق فيها. وهذا ما يفسر ضعف العلاقة بالكتاب، رغم اتساع فرص الوصول إليه.

فالقراءة استجابة لحاجة داخلية، لكن هذا الجوع المعرفي لا يتشكل تلقائيًا، بل يصنعه الوعي بالنقص، والإحساس بالجهل، واستمرار السؤال

تقول Emily Dickinsonلا توجد سفينة كالكتاب تنقلنا بعيدًا ومن هنا، تبقى الأسرة البنية التربوية الأولى في صناعة القارئ، ثم تأتي المدرسة بوصفها المؤسسة الأكثر تأثيرًا في تحويل القراءة من مهارة إلى عادة. ولا يقل عن ذلك دور المكتبات العامة، التي ينبغي أن تتحول من مستودعات صامتة إلى فضاءات حية للحوار والتجربة الثقافية.

وفي السعودية، يتصل بناء المجتمع القارئ بالتحولات الثقافية الكبرى التي شهدتها المملكة في ظل

Saudi Vision 2030

؛ حيث انتقلت الثقافة من نشاط هامشي إلى ركيزة أساسية في مشروع التحول الوطني، عبر العمل المؤسسي، والبنية التحتية الثقافية، والمبادرات النوعية، والاستثمار في الإنسان.

هذه التحولات تؤكد حقيقة جوهرية: أن الوعي الثقافي جزء من مشروع بناء المجتمع. فالأمم لا تولد قارئة، لكنها تُصنع قارئة عبر التربية والتعليم والسياسات الثقافية.

أما المجتمعات المبتعدة عن القراءة، فإنها تفقد قدرتها على فهم ذاتها وصناعة مستقبلها.. فالأمم الجاهلة لا تموت دفعةً واحدة، وإنما يتسلل الضعف إلى أوصالها حتى تخرج  من التاريخ بدون أثر.